الحكيم الترمذي

41

كيفية السلوك إلى رب العالمين

السَّامِرِيُّ [ طه : 85 ] فلما عاينهم ازداد غضبا وحدة . فالقلب أيضا تضاف إليه الرؤية ، ولكن إنما يرى بالنور الذي فيه ، يدل على ذلك ما أجاب أبو جعفر محمد بن علي رضي اللّه عنه للأعرابي حين سأله فقال « رأيت ربك ؟ » فقال « ما كنت أعبد شيئا لم أره » فقال « كيف رأيته » ؟ قال : « إنه لم تره الأبصار بمشاهدة العيان ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان » ، فأشار إلى الرؤية بالقلب ولكن بحقيقة نور الإيمان . والقلب والفؤاد يعبّر عنهما بلفظة البصر لأنهما موضعان للبصر ، قال اللّه تعالى : يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ ( 44 ) [ النور : 44 ] ، وقال « فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ » [ الحشر : 2 ] فأهل الأبصار لهم الاعتبار ، بأن يروا في الأشياء لطائف صنع اللّه تعالى ، وإنما هم أهل القلوب . وأهل المشاهدة بنور الإيمان على مراتب ، فمنهم من يكشف له من عظائم الغفلة بمجاهدته الصحيحة ورؤية الآخرة بعيان عيني قلبه كأنه ينظر إليها ، كما قال حارثة « أصبحت مؤمنا حقّا » « 1 » قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك ؟ » « 1 » الحديث . فهذا كشف اللّه له بعزف نفسه عن الدنيا والآخرة ، وعاينها بنور قلبه ، وإنه لم ينطق عن مقام مشاهدة اللّه ومشاهدة صفاته ومنّته وبره وعظمته ، وما أشبهها ، إنما ينطق عن مجاهدته التي أورثته مشاهدة العرش والجنة وأهلها والنار . فبان لك أن الرؤية والمشاهدة من جهة العبد يزداد سلطانها وأنوارها من اللّه تعالى . وفرق آخر بين القلب والصدر أن نور الصدر له نهاية ونور القلب لا نهاية له ولا غاية ولا انقطاع وإن مات العبد ، وإنما العبد إذا مات على الإيمان كان نوره معه

--> إبراهيم ، حديث رقم ( 25 ) [ 1 / 12 ] وباب من اسمه محمد حديث رقم ( 6943 ) [ 7 / 90 ] ورواه غير هما . ( 1 ) رواه الطبراني في الكبير ، عن الحارث بن مالك الأنصاري برقم ( 3367 ) ونصه كاملا : عن الحارث بن مالك الأنصاري أنه مر برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال له كيف أصبحت يا حارث ، قال أصحبت مؤمنا حقا فقال انظر ما تقول فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك فقال قد عزفت نفسي عن الدنيا وأسهرت لذلك ليلي وأطمأن نهاري وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها فقال حارث عرفت فالزم ثلاثا .